الطريق إلي مدينة التوحيد
فرج المطري
farajmatari@hotmail.com
الي ذوي القلوب المليئة بالإيمان، إلى معاشر الإخوان الذين يقلبّون أبصارهم في الآفاق بحثاً عن الحقيقة في كل مكان، أصحاب القوى النورانية المزوّدة بصفاء المحبة الرّوحانية.
إلى خيرة الأحباب وأصدق الأصحاب، وقوّة الثقة وصدق الإيمان، أنّ قوّة الحق المحيطة بهذا الكون هي سند المؤمنين الصادقين أينما كانوا، ولا يمكن أن يهزموا في يوم من الأيام. إلى الأحباء والأصدقاء أقدم ثمرة ما جمعته من نصوص قدسية وبشرية ومقالات ومناقشات وبحوث فكرية, فلسفية, علمية وعقائدية منذ حوالي سنة حيث انطلق بكم ومنكم ومعكم قطار المعرفة والبحث، وأخذت تزداد حاوياته كل شهر بخزانة جديدة من نفائس الفكر والمعرفة حتى بلغ محطته قبل الأخيرة .
إلى كل الباحثين عن الحقيقة بسراج العقل بين صفحات كتاب الكون
لم يبق إلا القليل لترتفع راية الحق فوق جميع الأمم
إلى كل فئات التوحيد وقوة اليقين وقدرة الحق السرية وسر القدرة الإلهية، ومعنى كل الأسرار والرموز، والإشارات التي نطقت بها كل الألسن واللغات والكلمات والآيات، والنبوؤات والرسالات الدينية، والوصايا والحكم الإلهية وصرخة الحق الأزلية في آذان عقول البشرية دوراً بعد دور، وعصراً بعد عصر وصولاً إلى دور الأدوار وعصر العصور، ومحطة الختام، وظهور المستور وبلوغ العالم حد التمام، ونهاية دار الأوهام والاتصال بالواحد الديان . إلى أخوة الإيمان وأمة الأخوان، أمة الأمم وشعب الشعوب المنبثق من كل الطوائف والمذاهب والأديان، ذوي الألباب الحاضرة والوجوه الناضرة والأبعاد الصحيحة والعقول الرجيحة، إلى الناظرين بعين العقل إلى حقيقة نعمة الإيمان التوحيدية الواحدة في مظاهرها المتعددة، إلى أهل العرفان، النخبة المتحررة من التعصب والانغلاق والتقوقع داخل أقفاص المذاهب والطوائف والأديان. إليكم أيها الأحباء نقدم هذه الباقات من الأزاهير التي قطفناها من حديقة الفكر التوحيدي، فشكلت مزهرية تنعش النفس وتفرح القلب وتحمل العقل في رحلة علمة وروحية لا بد وأن يجني من رياحينها وأزهارها وثمارها مواسم وغلال الفهم العميق للحقيقة والمعارف الدقيقة التي تبدد الأوهام وتميط اللثام وتدخل القارئ المتبصر الواعي المدقق المحقق إلى حديقة الإيقان والعرفان في مدينة التوحيد المضاءة بأنوار شمس الأحدية.
لكم جميعاً أينما كنتم السلام التوحيدي الحق المتصل بالعالم الأسمى، سلام القلوب الصافية النقية والنفوس المتصافية المعنوية، والعقول المتفهمة المستوعبة معنى الكلام.
نهدي بحثنا هذا إلى كل إنسان مؤمن سليم العقل والنفس , حر الإرادة , محب للحقيقة وساعي من اجلها
منذ بداية الوجود البشري والإنسان ميّال إلى اكتساب المعرفة، ووجد الإنسان ذاته على أرض شاسعة ممتدة، و من حوله كونٌ كبير وفضاءٌ رحبٌ لا يعلم غايته ومداه. كان الإنسان ينظر في كل ما حوله ويسأل نفسه؛ كيف وجد هذا الوجود كله ومن يحرّكه؟ ومن يحرّك الشمس والقمر والكواكب في الفضاء؟ ورأى في ذلك القلب عَقلا متسائِلا، يطرحُ بين السؤالِ والسؤال ألفَ سؤال، لماذا وُجدتُ؟ ولماذا وُجِدَ غيري على غير ما وجدتُ عليه؟ وكيف أنفعُ ذاتي؟ وما هي نتيجةُ اختياري نفعَ ذاتي ونفعَ غيري؟ وما هو مآلُ من اختارَ ضرري وضررَ غيري؟ وهل ينتهي أمرُ الجميعِ بدخولهمْ حُفرةَ التراب؟
ويسأل أيضاً؛ من يحرّك الجسم؟ من يحرّك الأطراف؟ كيف تدرك الحواس؟ كيف نتذكر؟ كيف نميّز؟ كيف نشعر؟ كيف نعرف ذاتنا؟ ومن أين أتينا؟ متى وجد هذا الكون؟ وكم سيدوم؟ ومتى سيزول؟
واستمر الإنسان في البحث عن الأجوبة لكل تساؤلاته. وقد دونت المخطوطات والكتب الكثير من الأجوبة، ولكن الأجوبة أتت بتساؤلات جديدة، فتشعب البحث وتوزع، لدرجة ضاع السبب الرئيسي الذي بسببه انطلق البحث في البدء.
ويبقى طِلَّسْمُ الكون ولُغزُه بابًا مغلقًا أمامَ الروحِ والعقلِ والقلبِ، حتى يتسلَّمَ هذا الإنسانُ المسكينُ المبتلى بعجزِه وفقرِه مِفتاحَ مدينة التوحيد.
وهذا هو ما يريد كلإنسان أن يعرفه ويصل الية، وقد حاول الإنسان عبر العصور أن يجيب على هذه الأسئلة كلها، ولذلك وجدت كل هذه الكميات الكبيرة من الكتب والمخطوطات والمنحوتات والنقوش، وكل هذه الشرائع والفلسفات والأفكار والمفاهيم والحِكَم والتقاليد والديانات والتعاليم والدراسات والنظريات العلمية. ويبقى السؤال: هل نحن نحتاج إلى المزيد؟ ويكون الجواب؛ من المؤكد أنه ما دام الإنسان لم يصل إلى المعرفة الكاملة فهو يحتاج دوماً إلى من يذكّره بهدف الوصول. ومن طبيعة الوعي أيضاً أن يتفتّح باستمرار واستمرار جيل بعد جيل، كما تتفتّح الأزهار باستمرار واستمرار سنة بعد سنة. الزهر القديم يذبل وقد أتى للزمن القديم، أما الزهر الجديد فهو حاجة هذا العصر. في الزمن القديم تختلف المفاهيم والتفسيرات والمعتقدات والتقاليد، وفي العصر الحديث تسود مفاهيم العلم والمنطق والتحليل والإثبات. لذلك نرى في كل زمان من يحاول أن يفسّر ما قد قيل في السابق، ويكشف ضوءً جديداً على الحقيقة الأزلية، ويبقى هذا التفسير مرهوناً بمستوى الوعي البشري في الزمان والمكان، وأيضاً للمفسّر تأثيراً في عرضه للتفسيرات، هذا ما يترك الباب مفتوحاً أمام الأجيال القادمة كي تحصل على كشف مستمر لوجه من أوجه الحقيقة.
وسوف تصل البشرية إلى فهم الحقيقة الأزلية، وعندئذ سوف يتوقف كل بحث وكل تقدم، ولن يكون هناك أي حاجة لأي تفسيرات جديدة.
إن الشيء الأهم من كل كلام وكل تفسير هو الوعي الذي سوف يستوعب هذا الكلام وهذا التفسير، ولذلك كان لا بد من وجود تقنية تفتّح مجال الوعي الفردي وتعطي الاختبار لحالة من الوعي اللامحدود الذي به يتم إدراك كل شيء. وقد مارس الإنسان العديد من الطرق والوسائل التي توصله إلى إدراك الحقيقة الأزلية، ولكنه ضاع في العديد من الطقوس والممارسات التي أصبحت فارغة وبلا منفعة، فراح الإنسان يجبر الذات ويقهرها كي يعيدها بالقوة إلى طبيعتها الأصلية، لذلك وجد المفهوم السائد الذي يدعو إلى العذاب من أجل التطوّر، وبذلك ضاع هدف الحياة، وأصبحت الحياة تعرف بالمعاناة. ولكن حقيقة الحياة هي الفرح، والفرح يأتي من الرضا، والرضا في أن يحصل العقل على صفة اللامحدود. يكسب العقل صفة اللامحدود فقط عندما يثبت في حالة من الوعي الصافي التي بها يدرك جميع قوانين الطبيعة، وبذلك يصبح كل عمل يقوم به الإنسان منسجماً مع قوانين الطبيعة، الأمر الذي يجعله قادراً على تحقيق جميع رغباته. وبتحقيق الرغبات يحقق الإنسان النجاح والتقدم والفرح.
هناك الكثير من المواضيع والمفاهيم والمعتقدات الموجودة هنا وهناك وفي مختلف أنحاء العالم و فصول هذا البحث هي إجابة على الجزء الأكبر من الأسئلة التي تدور في فكر الإنسان, و هدف هذا البحث هو محاولة جمع كل هذه المفاهيم وعرضها وإبراز القاسم المشترك فيما بينها لعلنا نصل إلى أقرب مسافة من الحقيقة. وسوف تركز مواضيع وأبواب هذا البحث علي بيان وتوضيح بعض المصطلحات والمعتقدات التي كثيرا ما يلتبس على الناس معانيها وحقيقتها. ومن أهم المصطلحات الواردة في القرآن الكريم وبقية الكتب المقدسة والتي ينبغي على الإنسان إدراك حقائقها هي: (الدين، العقيدة, الحقيقة, الاسطور,الكتب والنصوص الدينية، الشريعة، العلوم الحديثة، مراحل الايمان والمعرفة وغيرها من المواضيع)، إذا كنا نؤمن أن الله واحد خالق كل شيء، تكون الحقيقة هي واحدة، وإذا كانت كل هذه المفاهيم والفلسفات والمعتقدات وأيضاً الدراسات العلمية تتكلم عن الحقيقة، فهي جميعها تتكلم عن الحقيقة الواحدة الأزلية، هذا هو القاسم المشترك بين كل المفاهيم وكل الشعوب وفي كل الأجيال الماضية والحاضرة والمستقبلة.
فمن حق الإنسان في هذا العصر، أن يتصل بالمعرفة بشكل مباشر ويتناول العلم خالصا نقيا مباشرا، كالجوهر الخالص الذي لا يمازجه العرض والماس الذي لا يخالطه التراب. لأن حياة الفرد قصيرة وموجاته كثيرة وواجباته من كل صوب تدعوه إلى السرعة والدقة والحكمة والإحكام في كل ما يأتيه من قول وعمل، لأنه أصبح في مواجهة عالم الحق وعالم الصدق، بعد أن أنهكته الدهور، بعلوم يختلط الكثير من ظلها بالقليل من نور أصلها فضاع الكثير من عمر البشرية سدى وضلالا.
إن السعادة الحقيقة للبشرية ليست في تقديس ومعرفة الدين وليست في تقديس ومعرفة العلم، وليست في تقديس ومعرفة العقل وليست في تقديس ومعرفة الحرية أو العلمانية أو الديمقراطية أو الشيوعية, إنما السعادة الحقيقة تكمن في تقديس ومعرفة كرامة الإنسان تقديس ومعرفة كينونته وأفضليته على سائر الأشياء
ونحن الآن على مفرق خطير، لا بد لنا من التقرير فلا تجرفنا الآمال الفارغة ولا تخيفنا المصاعب العارضة عن السلوك الأقوم في صدق العزم والعزيمة. لنصل الماضي المنير، بالمستقبل المشرق. فندفع ضريبة الوجود التصاعدي بالتضحية بكل ما هو أدنى في سبيل ما هو أسمى حتى نحقق الإنسان في ذاتنا ونستشعر إنسانيتنا في كل مدركاتنا لكي نستمر في السمو والصعود إلى العالم الأعلى الذي نحن أهل له بما فطر فينا سبحانه من مناقب عالية وسجايا دقيقة هي من قدس أقداس الذات في مثالات الكمالات. فالإنسان العاقل محكوم بالتسامي والمعراج الدائم عبر محاسبة النفس، وتعقيل العقل، وتقليب القلب، وتجسيد الجسد فيما يرضي الأنا الأعلى في ذاته الذي هو مستودع كل الفضائل وكنز كل المناقب في كل خلجة من روحه، ونضبة من قلبه، ورعشة من جسده، صوت الأعلى في الأدنى وحكم الأسمى بالأسفل صوت الله الخفي في لطيفنا. والميزان الذي يذكرنا دائما بنقصنا. كلما غلب علينا الجهل أو فرطنا في واجبنا نحو مؤصلنا في الأصل وجابلنا بجوهر العقل. ضمير الكون وضميرنا الشخصي الذي هو جذوة منه وسنا من برقه.
وبعد …لقد وجدت ان من واجبي ان ابين في بحثي هذا الحقيقة التي وحدة الإنسان على مبدأ وحدة الوجود والتاريخ ووحدة المكان والزمان الذي انطلق منه الانسان الاول وبالتالى فقد تتبعنا هذا البحث بشفافية وبتجرد ودون تعصب وبوضوح من غير اغراض خاصة لكي نستطيع الوصول الي مدينة التوحيد ونعرف سر ( الإيمان بالله).
بين كتاب الوجود وكتب الأنبياء ثدي واحد
تختم كتب الأنبياء ويبقى الوجود بقلم الله…. {قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}
ان طرح المسائل العقائدية والإيمانية رغم خطورته وصعوبته هو ممّا يرغّب فيه، سيّما في حالة كونه رامياً إلى تصحيح مسار بعض الأفكار واعادتها إلى جادّة الصواب، أو إزالة لبس حاصل في بعض منعطفات الفكر، أو تنوير حقائق واقعيّة وإبرازها ـ بعد إجلاء ما علاها من صدأ أكاذيب كانت قد شوّهتها وأضاعتها، وغير ذلك من أمور لإزهاق الباطل وإحقاق الحقّ.
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}([i]).
كما قال المولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه:
أَنَا العَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ… أَنَا الكِتَابُ المسْطُوْرِ… أَنَا أَعْلَمُ هَمَاهِمَ الَبَهِائِمِ، وَمنْطِقَ الطَّيرِ، أَنَا الَّذِي أَجُوزُ السَّمَاوَاتِ السَّبعَ والأرَضِينَ السَّبعَ، في طَرْفَةِ عَيْن([ii]).
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الله ولا في الأديان ولا في الكتب الدينية ولا في الأنبياء ولا في العقل ولا في الحداثة ولا في الفكر الناضج الجاد الهادف، ولا في العلمانية ولا في الديمقراطية ولا في الشيوعية، إنما المشكلة الحقيقة تكمن فينا نحن البشر.
فمع مرور الزمن تشكلت منظمات ومؤسسات دينية قوية ونافذة تكلّمت باسم الله وباسم هذه الحقيقة، وتم ابتداع مؤسسات أخري أكدت أن ليس ثمة تقرب من الله إلا عبر وساطتها. وحلت الطقوس والمراسم الفاخرة مكان المجهود البسيط لانتهاج حياة نقية واكتساب فهم جيد لهذا الكون العظيم الذي وُجدنا فيه.
ان الامر برمته يتعلق بطريقة التفكير التي نتعامل بها مع وقائع الامور…فلو عرجنا مثلا على الفكر الالهي ( اذا صحت التسمية ) …المتمثل بالدساتير السماوية في الكتب المقدسة الثلاثة…التوراة والانجيل والقران فان الموضوع برايي الشخصي …محسوم وبما لايقبل الشك …بان الانسان قادر بفطرته البسيطة التعرف على الحقيقة…؟؟
الناس يتغيرون بسرعة هائلة بمرور الزمن ونحن لا نستطيع في كل لحظة أن نتوقع منهم أن يغيروا جذريا موقفهم من الله بل بمقدور الله عن طريق المعجزة أن يجعلهم يغيرون مواقفهم وممارساتهم في الحال ولكن يرجع الفضل لهم وحدهم في إحداث تغييرات جذرية وتطويرات حاسمة خاصة بحياتهم، لذلك ينبغي أن يستجيب الدين والنص الديني للظروف الاجتماعية والتاريخية المتحولة وإلا فإنه سيخفق في أن يكون له معنى في الطرق التي يتفاعل بها الناس مع الأشياء المحيطة بهم.
إذا لم يقدر الإنسان أن يجعل نفسه صالحاً وسعيداً في هذا العالم، فهو لا يقدر أن يتأكد من أنه سيصير كذلك في العالم الآتي، خصوصاً وهو يعلم أن وراء الموت داراً مجهولة.
يقول الحكيم أوشو: لا تقوم الديانة الكاملة بمجرد نظر البشر لله، وتقديم العبادة له، بل بنظر الله أيضاً للبشر وإعلان نفسه لهم، ليكون الاقتراب بين الله وبينهم متبادَ






















